تراجم

سيدي محمد ولد آب … الإمام القائد … والإنسان

في يوم من أيام عام 1988 وبعد عصر يوم خريفي كنت على موعد مع الرمال الذهبية لقرية برينة الحبيبة، كانت تجربة فريدة فتحت عيني على عظمة الرجال الذين تقهر همتهم الصحراء وتحول الكثبان الرملية إلى ساحات خضراء توفر القوت والمال والصحة لأسر وأفراد لم يعرف أغلبهم طعم الطماطم ولا نكهة الجزر … ولا حصد في يوم واحد من عرق جبينه ما يكفي عياله من المال عدة أيام….
مآذن شامخة شموخ الجبال … وحناجر تصدح بالذكر آناء الليل وأطراف النهار ودروس تتنوع عناوينها بتنوع الطلاب… وجمعيات نسوية تبهر صناعاتها مواطني أكبر الدول الصناعية ، ويخجل نسيج الزرابي اليدوية فيها الفرس والأتراك …
وسط هذه الصورة يبدو لعينك ذلك الشيخ الوقور الذي تخضع لعظمته الرقاب عمامته السوداء ومحياه وأثوابه الأنيقة يشغلك عن تأملها حسن ابتسامته وحلاوة منطقه … وجزالة ألفاظه … وجدتني وأنا الطفل الصغير الوافد أجد بسرعة البرق مكاني في مجلسه وحظي من خلقه .. ونصيبي من ممازحته النبوية …
ظلت تلك الحقبة من تاريخ برينة مضرب المثل في العدل وحسن القيادة وفهم المجتمع … ومعاملة كل مخلوق لأجل خالقه …
صور كثيرة من حكمة سيدي محمد تتدافع إلى مخيلتي بمجرد ذكر اسمه …فحين ينادي للشأن العام ترى الناس يتنافسون في غرس أشجار حزام كنا ونحن في غمرات طفولتنا ندرك قيمته في رد هجوم التصحر عن محيط أكلت غطاءه النباتي سنوات القحط والجفاف. فلول جيش التصحر التي تتسلل إلى بيوت ضواحي القرية تجد بالمرصاد لها من عزم القائد الفذ جيش دفاع يصد هجومها في وقت يسير..
في المسجد الجامع وبعد خطبة جمعة تصير قلوب الرجال كثيبا مهيلا … يلتفت سيدي محمد ـ الإمام ـ ليسأل عن الضعفاء ممن يتجشمون عناء الحضور للجمعة رغم العجز الذي لا تخفيه الأجسام والملامح …. يترتب على حضور هؤلاء تخفيف الصلاة بما يتناسب مع حالهم … كما يترتب على غيابهم تطويلها بما يبين للشباب قيمة العبادة ويعطيهم درسا عن كيفية الوقوف بين يدي رب العالمين.
لم نسمع في برينة سيدي محمد شكوى من أي كان من غمط حقوق أو تجاهل لمرتبة أو تقليل من شأن … أو تطاول على مقام قائد ..كانت مدرسة العدل … وبيت الكل … وخيمة يعيش الجميع في ظلالها الوارفة… ويأكلون مما تزرعه أناملهم على أرضها المعطاء.
يصعب الحديث عن “رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا”.
أما اليوم والحال هكذا فعلينا جميعا كل من موقعه أن نواصل البناء على تلك الأسس القوية التي طرحها الإمام .. القائد والإنسان … سيدي محمد ولد آب…. ولا سبيل إلى ذلك إلا بفهم حقيقة الأخوة ، وقيمة التعايش ، وثراء التنوع العرقي والثقافي ، ونعمة الأمن ، وقيمة القادة، والحكمة في التعامل مع مستجدات عصر السرعة ومتطلبات عولمة تدخل البيوت دون استئذان .. وتخرج المجتمع عن أعرافه وقواعده في غفلة من رقيب العلم وسلطان الأخلاق…
رحم الله السلف … وبارك في الخلف … وعلى الدرب سائرون … وعند الصباح يحمد القوم السرى .

بقلم : محمد ينجح ولد محمد الحنفي ولد دهاه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق